الفرق بين التقاضي العادي وقضاء التحكيم

 

من غير المعقول تصور الحياة بدون نزاعات، وكذلك لا يمكن تصور نزاع بدون حل فالصراع أمر لا مفر منه ودائم في جميع التفاعلات البشرية “فالبشر ينخرطون في الصراع، العدوان، الحرب، والعنف، أو كما يقال فقد يبدو العنف مساويا للوجود البشري، وهو ما يؤثر سلبًا على المجتمع، وهذا ما حث الإنسان منذ قديم الأذل على البحث عن أفضل السبل للفصل في تلك النزاعات لضمان أن العدالة تسود والحقيقة تتبين.

وكان العدل ولا يزال حلم الإنسانية يراود الأشخاص في يقظتهم ومنامهم، فالعدل هو المنارة التي تنير طريق السلام والأمن والتقدم، ولهذا حرصت الدولة على أن تحمل على عاتقها مهمة الفصل في المنازعات التي تنشب بين مواطنيها، وذلك حتى يأمن كل منهم على حياته وحقه بالشكل الذي ينعكس على المجتمع بتحقيق السلام والاستقرار والرخاء، وحتى تصل الدولة إلى تلك الغايات النبيلة أنشأت جهاز القضاء لينهض بتلك المهمة.

وجعلت للقضاء سلطة مستقلة ووفرت له كافة الضمانات الكفيلة بأن يقوم بتلك المهمة التي حملها على عاتقه، وجهاز القضاء هذا يشمل كافة المحاكم على اختلاف درجاتها كما ينطوي تحت لوائه رجال القضاء الذين يضطلعون بولاية هذا القضاء، ويمكن تعريف النظام القضائي بأنه “مجموعة الأطر والقواعد التي تنظم كافة الهيئات القضائية والجهات التي تتعلق بالتقاضي في الدولة، وهذه القواعد مشتقة من قانون السلطة القضائية وقانون المرافعات وقانون المحاماة وقانون الخبراء.

كما تضم القواعد التي تختص بتشكيل وترتيب المحاكم، فضلا عن القواعد المنظمة لرجال القضاء في الدولة، والأصل في الأمر أن القضاء هو صاحب الولاية العامة بالفصل في كافة المنازعات”، إلا أن القانون لم يجعل سلوك طريق القضاء إلزاميا على الخصوم للفصل في منازعاتهم، بل أدت تلك المرونة إلى نشوء بعض الوسائل الأخرى لفض النزاع ويطلق عليها بالوسائل البديلة لفض النزاعات، تتمثل أهمها في التحكيم، فقد استثني من هذا الأصل نظام التحكيم بحيث يشكل مع القضاء منظومة متكاملة من أجل تسوية النزاعات.
وبهذا فإن التحكيم هو “الاتفاق على عرض نزاع معين على محكمين والتروض على حكمهم، وهو طريق استثنائي قوامه الخروج عن طرق التقاضي العادي”، والفكرة التي يقوم عليها جوهر التحكيم في التشريعات المعاصرة هي الأحقية للأطراف المتنازعة في الاتفاق فيما بينهم على تجنب دور قضاء الدولة في منازعاتهم وإخضاعها لمحكمين يختارونهم بأنفسهم ويرضون طوعا بأن يفرض عليهم ما يصدره هؤلاء القضاة من أحكام.

وأما عن نطاق تطبيق التحكيم في الواقع أنه قد يطبق دوليا في حالات التجارة الدولية وذلك إذا نشأ النزاع حول علاقات قانونية ذات طابع اقتصادي وفيه أطراف من دول مختلفه سواء كان أساسها عقد أو غير العقدية، ويشمل ذلك على سبيل المثال: توريد الخدمات أو السلع، والوكالات التجارية، وعقود التشييد والخبرة الهندسية، ومنح التراخيص الصناعية والسياحية وغيرها، إضافة لذلك نقل التكنولوجيا والاستثمار وعقود التنمية وعمليات البنوك والتأمين والنقل وعمليات التنقيب وتوريد الطاقة، أما عن المستوى المحلي فطبقاً للقانون المنظم له رقم 27 لسنه 1994م يتم تطبيق التحكيم على المنازعات المدنية والتجارية والإدارية فى مصر .
وإليك أهم الفروق البارزة بين كلا الأمرين:

التقاضي العادي ذات طابع رسمي منشئ من قبل الدولة، بينما التحكيم يعد قضاء ثانويا بجانب القضاء الرسمي.
ان أطراف النزاع لهم حق اختيار هيئة التحكيم، ولا يكون ذلك في حالات القضاء الرسمي أو العادي  فلا يمكن لأطراف النزاع حينها اختيار قاض معين للفصل في النزاع.
القضاء العادي هو حق مقرر لجميع أفراد المجتمع، بل ويجبر من  الأفراد من لا يستجيب لدعوة القاضي على المثول أمامه أو الحكم عليه، بينما في التحكيم فالخصوم هم الذين يختارون القضاة ويلزمون أنفسهم بتنفيذ ما حكم به المحكمين بوازع من ضميره تحت تأثير الضغوط والعلاقات الاجتماعيـة لأطراف النزاع، ولهذا يعتبر التحكيم في عصرنا المعاصر قضاء خاصاً،  “ونستطيع القـول أن التحكيم جهة قضاء خاص نظمها القانون”
ينفذ الحكم القضائي جبراً عن طريق السلطات العامة، فالسلطة القضائية هي إحدى مظاهر سيادة الدولة، بينما وولاية التحكيم لا تقوم إلا برضا الأطراف المتنازعة عن طريق اتفاق التحكيم الذي يتضمن اتفاق أطراف الخصومة على اللجوء الى التحكيم، والذي بدوره أيضاً يحدد نوع الخصومة والاجراءات التي يجب اتباعها لإنهاء تلك الخصومة.
القضاء الرسمي له ولاية عامة فهو يختص بالنظر في جميع القضايا التي تعرض عليه والفصل فيها حسب الأنظمة المعمول بها في الدولة، أما اللجوء الى التحكيم فلا يكون حقاً مقرراً لجميع الناس ولا يشمل كل المواضيع، فهناك بعض القضايا أو المسائل لا يجوز اللجوء الى التحكيم لحل النزاعات الناشئة عنها·

الجهة المختصة أصلاً بالنظر في النزاع المعروض على التحكيم يجب أن تصادق على اتفاق التحكيم وكذلك المصادقة على الحكم التحكيمي وتعطي الأمر الى الجهات المختصة في الدولة بتنفيذه، وكذلك في حال اتفاق الأطراف على مواصلة حل النزاع عن طريق التحكيم أو في حال صدور حكم المحكم مخالفاً للنظام العام، فإن سلطة الفصل في هذا النزاع تعود الى القضاء الرسمي فهي الجهة المختصة في حل النزاع.
يجوز للأطراف المتنازعة أن يوقفوا التحكيم قبل الشروع فيه أو قبل صـدور الحكـم – على خلاف فيه – كما أن لهما أن يعزلا المُحكم، بخلاف القضاء .
الأصل في إجراءات التحكيم هي السرية في حين أن الأصل في إجراءات وجلسات القضاء العلنية.

By |2019-06-10T18:09:54+01:00مايو 15th, 2019|قانون|0 Comments

Leave A Comment